الشيخ جواد بن عباس الكربلائي
140
الأنوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة
وبعبارة أخرى : معناه أني لا أدرك إلا أحدية هي آية ومرآة أحديته الذاتية جلّ وعلا ، وحينئذ لا ريب في أن جميع الخلائق من نبي مرسل وملك مقرب ومؤمن كامل ممتحن إنما يدركون هذه الأحدية المرآتية ، التي هي آية أحديته الذاتية ، وإن تفاوت مراتب المدركين والمدركات من الأحديات ، التي هي آيات أحديته ، التي هي ذاته التي شهدتها لنفسه تعالى تفاوتا غير متناه في عالم الممكنات . ومن المعلوم أن هذه الأحدية المرآتية غاية ما يمكن للعبد أن يشير بها إلى أحديته الذاتية في مقام التوحيد ، سواء كانت هذه ثابتة عنده علما أو مدركة وجدانا ، فليس له تعالى ظهور لعبده إلا بهذه الوحدة ، التي عرفت أنها ترجع إلى مراتب أربع في التوحيد ، وهذه الوحدة المرآتية لا يمكن التوصل بها إلى معرفة ذاتية والإحاطة والعلم لكنهه تعالى إلا بالإشارة ، ولذا غاية الإقرار بوحدانيته تعالى إنما هو بإظهارها في ضمن كلمة التوحيد حال تشبيهها بتوحيده تعالى لنفسه . وبعبارة أخرى ، أن قول : لا إله إلا اللَّه ، وإن كان يدل على التوحيد إلا أنه لا يدل إلا على ما أدركه القائل بها ، وما أدركه معلوم لنفسه لا ما هو الواقع في ذاته تعالى ، فحينئذ لا يكون الأعلى والأحسن في مقام الإقرار بالوحدانية بهذه الكلمة المباركة إلا بالتشبيه أي إلا بتشبيهها بتوحيده تعالى كما لا يخفى . ثم إن الوجه في أن التوحيد والوحدة المرآتية لا تدلّ على بيان كنه المدلول عليه ، أي لا يدل على بيان كنهه تعالى ، هو أن هذه الوحدة المرآتية ظهور منه تعالى في عالم قلوب أوليائه ، وهو خلق منه تعالى ، والخلق مهما كان أقرب يكون محدودا بالنسبة إلى ذاته تعالى ، التي لا اسم له ولا رسم ولا حدّ ولا إشارة ولا توهم ، فالعبد بما هو خلق ودركه التوحيد والوحدة المرآتية بما هي خلق ، لا يمكن لها الوصول إلى كنه ذاته المقدسة ، لأن غاية ما يعرفه غيره تعالى قد علمت أنه آية ، والآية غاية ما تدلّ على ذي الآية لا على كنه ذي الآية في خصوص المقام ، وذلك لأنّ هذه الوحدة مهما كانت في الظهور فهي مخلوقة ، وهي بفقرها الذاتي وحاجتها في الاستناد إلى غيره ،